الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة معرض "أصداء حالمة" بفضاء "ريفيوم": عالم من الفتنة والغواية.. بقلم سلوى العايدي

نشر في  08 جويلية 2026  (11:14)

بقلم سلوى العايدي    

تذهلنا عوالم الحلمي وتسوقنا نحو اللامعقول، تباغتنا على حين غفلة، وتتملكنا وتطرحنا خارج ذواتنا في حالة من الاستلاب، عوالم تغاير الواقع لتعانق الممكن، وتحمل في طيّاتها الحلم والفتنة والغواية، لننتشي عبرها وننتقل وننخطف ونسلك دروبا خفيّة علّنا بذلك نلتحق بالسحري.

إنّه نغم يتردد وينأى، يغيب ويحضر، في دفق متكرر ومتجدد، حيّز منه نتكلّم على حسب تعبير هيدغر، لتندس الشعرية في تلاوين الأعمال وتلتبس بها. إنّنا نقف هنا على عتبات الوجود، لنعايش واقعا لا حدّ فاصل فيه، ضمن مزيج زمني يتنافذ فيه الواقعي بالحلمي، وليمضي بنا نحو أقاصي الرغبات ومشتهياتها.

هناك يتجلى الصراع والاستسلام، التمرّد والانصهار ضمن عوالم قدّت من نسيج مغاير ومتأتية من مجاهل عمق مضاعف، لعلّها تجد ضالّتها ويقينها في فضاء "ريفيوم" Révium، حينها لم نعد غير الملبّين لهذا النداء.

فهذا التواصل يجعل منّا شهودا على عوالم الممكن والممتنع معا، فعوالمنا الحالمة كفّت أن تكون لنا وحدنا، وليصبح بذلك عالم الذاتية واحد بالعدد ومشترك بين الجميع، فرؤوف الكرّاي وباكر بن فرج ونجوى عبد المقصود وكمال الكشو ونعمان قمش ومحمد غسّان ورشيدة عمارة وماجد زليلة وسلوى العايدي ومهدي قريعة وبلحسن الكشو أسماء تعكس منجزاتهم جانبا ذاتيا وفرديا.

 مثّل معرض "أصداء حالمة" بـ "دار أوفه" نابل والمتواصل من 26 جوان إلى 10 جويلية 2026، فرصة تواصلت خلاله الأفكار والرؤى باختلاف خياراتهم الاسلوبية والتقنية، فكانت الاعمال نتاج ما يشبه الحلم والرؤيا والتذكّر.

انبنت رؤية رؤوف الكراي على انزياحات تعيد تشكيل واقع بصري مغاير منطلقا من قصيدة محمود درويش، عمل الفنان على تصميم علاقة الصورة بالنصّ، ليستحيل النصّ جزء من الصورة وتؤدّي الصورة من المعاني ما صمت النصّ عنه. ينخرط الفنان في اكتشاف تنويعات الخطّ، فبحث عن شكل مغاير عما ألفناه من طرق تناول الموضوع وطرق تقديم الفضاء وإدماجه في نسيجية العمل التصويري.

ويعتمد باكر بن فرج على فعل تجميع جملة من المسحوبات ذات خصوصيات أهمّها الشفافية والتكرار. مثّلت تجربته همزة وصل بين التراث والمعاصرة، فكان الرجل مأخوذا بمواضيع مستقاة من بيئته. تحملنا اللّوحة إلى الذّاكرة الجمعية حينا وتفصلنا عنها أحيانا أخرى، تتجاور وتتناضد وتتباعد جميع مكوّنات العمل بهدف فتح المجال لأسلوب ذاتي يحرّر الفعل الإبداعي.

كما تغازل نجوى عبد المقصود المناطق الأكثر سريّة في اللغة التشكيلية فاسحة المجال فيها للاحلام أن تنسج نسيجها، متعة خيالية وتأرجح ممتع بين العناصر المكوّنة للعمل. تنفلت اللوحة من قبضة الواقع، لتحاور وتتغذي من الحلمي وصوره وأشكاله، من منطقة المغاير ومن صوره التائهة، التي تراكمت في المخيلة ورسخت في الذاكرة، صور منبعثة من أكثر مناطق المتخيل غورا، تدعونا للإنصات إلى إيقاعها ونبضاتها.

ويقدّم نعمان قمش اللوحة/ الأثر، ليؤلّف لنا الأثر بعض المعنى أو لعلّه يساهم في إعادة تركيب المعنى، فتجدنا ما بين رسم الأثر وامّحاءه، وهذا ما جعلنا نجوب فضاء اللوحة بحثا عن العلامات المتبقيّة نهتدى بها داخل مشهد يتناغم فيه الأثر للكشف عن طبقات لونية تختزل الذاكرة والزمن.

لم يدّخر الفنان جهدا للتأليف بين الابعاد المرجعية والأساليب المبتكرة، أساليب يعبّر من خلالها عن نظرته للعالم وللاشياء، مقدّما عالما مغرقا في الشعرية، فاللوحة تعبير عن انفعالات واحساسات من خلال لغة الشكل والخطّ، تبعث نوعا من الموسيقى الدّاخلية، فتضعنا أمام مسارب يمكن أن تقودنا إلى صميمها وماهيتها.

مثّلت مادّة الطين مساحة للبحث التشكيلي والمفاهيمي، استجوب من خلالها كل من كمال الكشو ومهدي قريعة وبلحسن الكشو العلاقة بين المادّة والذاكرة، تجارب عملت على استكشاف الإمكانات التشكيلية والتعبيرية للعجينة الطينية.  قدّم كمال الكشو أعمال خزفية تميّزت بالتراكيب في/وعلى مسطّحات الالواح الطينية الناتئة. اعتمدت ممارسته الخزفية على المفردة لتتكاثف التكوينات ذات المنحى التركيبي التأليفي. مغامرة تعمل على تشييد جملة من التوليفات في انتظام ايقاعي بهدف استحضار حوار بين الفنّي والطّبيعي.

وعند الاطّلاع على أعمال مهدي قريعة نرى خصوصية وتفرّد بشخصية فنيّة مميّزة، التقى فيها حبّ الخزف بمهارة اتقانه، اعتمد تقنية الراكو، ليكشف العمل عن معرفة أسرارها وطرق تطويع عناصرها من أكسدة وتحكّم في آليات تفرينه، فتواءمت في خزفياته المرجعيات وتآزرت ضمنها المعارف والخبرات. يستنطق بلحسن مادّة الطين لترجمة تساؤلات ترتبط بالهوية والاثر، عدّد الفنان مستويات خزفياته وكأنّه يدعونا لان نلج السطح الخارجي لاكتشاف الداخل، فتأتي مستويات متراكبة في التصاق وتراكب للطبقات الطينية، تجربة تحمل في طياتها أبعاد ملتزمة ورمزية.

تميّزت هذه التجارب الثلاث بأسلوب خاص وطابع في الإنجاز، فكان أن ترك كل من هؤلاء الثلاث بصمته الفنيّة بامتياز وشكّلت خزفيات كل واحد منهم نقلة هامة في تاريخ الاختصاص على المستوى المفاهيمي والتقني.

كما اشتغلت رشيدة عمارة على مادّة اللينو، لتجمع بين فنّ الرسم وفنّ الحفر. اكتفت بالخطّ المؤطّر لتحديد شخوصها في حركة هادئة وسلسة، كما تقوم بفعل الحفر بأريحية تنبأ بتمرّس لهذا العنصر الغرافيكي. صمّمت الفنانة مشاهدها باستحضار سينوغرافيا خاصة بمسرحة الشخوص، ولتسلط الضوء بذلك على مختلف الحالات النفسية ووجدانية للكائن البشري.

يشاركها محمد غسّان نفس الهموم إذ يلخّص عبر منحوتاته وضعية الانسان المعاصر، وضعية اتّسمت بالقتامة والسوداوية من خلال حضور عنصر"الكيس"، فوردت الشخصية عاجزة عن تحسس طريقها، ثابتة ومستسلمة وخاضعة لسلسلة الاحباطات والقيود المسلطة عليها. جسد تفنّنت المجتمعات الانظباطية في خلقه وستظل مؤسساتها الدليل والشاهد على ذلك ليكون كائنا يطمر نفسه ضمن مجموعة من العلاقات، علاقات أثّرت على الهوية السيكولوجية والاجتماعية للفرد.

أمّا ماجد زليلة فقدّم من خلال تقنية الاكواريل مشاهد من "اليومي"، ليتحوّل هذا الأخير إلى موضوع تشكيلي يسلّط الضوء على جوانب مختلفة من حياتنا، تفاصيل يمكن أن نتجاهلها أو لا نشعر بها، تمرّ بنا بصمت لتتلاشى في خبايا حياتنا، إلاّ أنّ الفنان يمتلك رؤية فريدة تجاه هذه التفاصيل، إذ يتمتّع بقدرة على تفسير العالم من حوله بطريقة مرحة وبشكل مغاير، وتشبّثت سلوى العايدي من خلال أعمالها بمشهدية اللوحة وعملت على تأطير عناصرها، لارساء صور تراكمت في المخيّلة ورسخت في الذاكرة.  جمعت الفنانة بين تقنية الحفر والتصوير، ففتحت بذلك منافذ جديدة في طرائق التعبير وما يرافقها من جدّة.

 يجعلنا معرض "أصداء حالمة" إذن نقترب من عالم يموج بالحركة ويصطبغ بالألوان ويضع القارئ في مواجهة عالم غريب ومفاجئ. حلما يولد ويشرع في الترحال وإيهام بعوالم مغايرة، حيث تميّزت كل تجربة بخصوصيات تشكيلية واشكالية وتقنية واسلوبية مغايرة، ثراء يصحب في ثناياه مادّة فنيّة مختلفة، فتفرّدت كل تجربة بممارسات تشكيلية تساير إشكاليات ارتبطت بالمعاصرة، لصياغة عوالم تربط الحلم الذاتي بالحلم الجماعي.